نصيحة لمغترب
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الاغتراب من أجل طلب الرزق ظاهرة قديمة تتجدد في كل جيل، ولكنها في زماننا أخذت صورا أقسى وأشد وطأة، حيث يغيب الرجل عن زوجته وأولاده لسنوات طويلة، بحجة السعي وراء لقمة العيش، وهو لا يدري أنه قد يربح مالا ويفقد ما هو أغلى: الدين، والعرض، والأسرة، والقلوب، إلا من سلمه الله.
إن الله سبحانه تكفل بأرزاق عباده جميعا، فقال جل شأنه: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين).
فالرزق بيد الله لا بيد السفر الطويل، ولا بيد الغياب المستمر، ولا بيد الاغتراب المرهق.
ومن أيقن أن الله هو الرزاق لم يضح بدينه وأهله وأولاده لأجل دنيا فانية.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من التضييع، فقال كما ثبت عند بعض أهل السنن: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت).
والتضييع لا يقف عند حدود الطعام والشراب، بل هو أوسع وأخطر.
فهو يشمل التضييع في التربية والتوجيه والقدوة، وفي الرعاية القلبية والروحية، وفي متابعة الأبناء في صلاتهم وأخلاقهم، وحراسة الزوجة في دينها وصلاحها.
الزوجة حين يغيب عنها زوجها أعواما طويلة تتعرض للفتن، فالنفس ضعيفة والشيطان قريب، والله تعالى أمر بالعفاف والصيانة فقال: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله).
فإذا كان هذا في حق غير المتزوج، فكيف بالمرأة التي تزوجت ثم غاب عنها زوجها زمنا طويلا بلا حاجة ملحة.
أما الأولاد، فإنهم يكبرون بلا مرب يوجههم، فيقعون بين فكي الشاشات ورفاق السوء. فإذا لم يجدوا الأب حاضرا يغرس الإيمان، نشؤوا على العادات الفاسدة، وربما ضاع دينهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته).
والراعي الذي يغيب عن غنمه يفتح الباب للذئاب أن تنهشها.
ومن أعظم ما يبتلى به المغترب أن يتهاون في الصلاة بحجة العمل أو التعب. بعضهم يسهر في ليالي الجمعة على لهو أو معصية إلى قرب الفجر، فيغلبه النوم عن صلاة الفجر والجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين).
وبعضهم يترك صلاة الفجر بحجة أنه استيقظ وقت الدوام وليس هناك وقت متسع للصلاة، فيذهب الدوام تاركا صلاة الفجر، والله تعالى قال في شأن من أضاع الصلاة: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا).
بل قد يصل الأمر أن يترك بعضهم الصلاة كلية حين يرى زملاء العمل لا يصلون، فيتأثر بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند أبي داود وغيره: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
أما الرزق الذي يطلبه المغترب، فهو مكتوب مقدر، والنبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك بقوله كما ثبت عند ابن ماجه وغيره: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).
فكل ما يكتبه الإنسان بغيابه الطويل لن يزيده درهما واحدا على ما كتبه الله له.
ثم ما قيمة الأموال إذا عاد الرجل بعد سنوات ليجد أولاده قد ضاعوا، أو زوجته قد ضعفت، أو بيته قد تشتت.
ما قيمة الأموال إذا غفل القلب عن الآخرة، وانشغل بالعمل حتى جاءه الموت بغتة.
قال الله تعالى: (حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت).
ولكن العودة لن تكون بعد الفوات.
من أخطر ما يزينه الشيطان للمغترب أن يصور له أن الغربة جهاد، وأن السعي وراء المال عبادة مطلقة، حتى وإن ضيعت الصلاة والأهل.
وهذا تلبيس عظيم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله).
فالحضور بين الأهل والقيام على شؤونهم أعظم أجرا من الغياب الطويل عنهم بحجة جمع المال.
وساق الذهبي في سير أعلام النبلاء (4/576) عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: (ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله).
فمن جعل الدنيا أكبر همه أذله الله، حتى وإن ظن أنه جمع مالا كثيرا، وقد ثبت عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه امره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له امره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة).
إن الغربة إذا كانت ضرورية فلتكن بقدر الحاجة، مع مراعاة العودة للأهل وعدم إطالة الغياب.
وليكن هم المغترب تقوى الله أولا، فإن الله وعد فقال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب).
ليس الرزق في السفر وحده، فقد يفتح الله أبواب الرزق في القرب من الأهل كما يفتحها في البعد.
وقد تكون البركة في القليل القريب، أعظم من الكثرة التي تأتي مع الغربة والحرمان.
الاغتراب الطويل يستهلك العمر، ويجعل الإنسان يفيق فجأة ليجد أنه خسر أجمل ما في حياته: صحبة أهله وأولاده، ودفء بيته، وقربه من صلاته وجماعته.
فلينظر المغترب بعين البصيرة: أي تجارة أعظم من تربية ولد صالح يدعو له بعد الموت، أو زوجة صالحة تحفظه في سره وعلانيته، أو صلاة تؤدى في وقتها بخشوع وخضوع؟
التاريخ القريب والواقع اليومي مليء بقصص مغتربين ظنوا أن المال يعوض كل شيء، ثم عادوا بعد سنوات ليكتشفوا أنهم خسروا ما لا يعوض.
أحد الآباء اغترب خمسة عشر عاما، يرسل المال كل شهر، فلما عاد وجد أبناءه قد اعتادوا حياة الترف بلا دين ولا خلق.
الابن الأكبر صار لا يعرف للمسجد طريقا، والبنت وقعت في صحبة سيئة، والزوجة أنهكها طول الغياب.
جلس يبكي ويقول: جمعت المال وضاع العيال.
وآخر اغترب ليؤمن مستقبل أولاده كما يزعم، لكنه في غربته تساهل في الصلاة، واعتاد السهر مع رفقة فاسدة.
أصيب بمرض مفاجئ ومات غريبا بعيدا عن أهله، فدفن في أرض لا يعرفها، ولم يحضر أولاده جنازته.
ذهب إلى الله بعمله، وترك أولاده بلا قدوة.
وهناك من عاد ليجد زوجته قد ضعفت دينيا بسبب غياب السند، أو أصابها المرض النفسي من الوحدة، أو تسلل الشيطان إلى بيتها من أبواب لم يكن يتخيلها.
فأخذ يتحسر على عمر ضاع بين الغربة والدنيا.
اللهم ارزقنا رزقا حلالا مباركا، واجمع شمل كل مغترب بأهله على خير، واحفظ الزوجات والأبناء من الفتن، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، واغفر لنا تقصيرنا، ووفقنا لطاعتك آناء الليل وأطراف النهار.