الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    سبع جلسات تفاهم مع منكر السنة    ||    عدد المشاهدات: 323

سبع جلسات تفاهم مع منكر السنة (2)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

الجلسة الثانية: هل يمكنك بالعقل أن تفهم تفسير القرآن والسنة من غير حاجة إلى علماء التفسير وعلماء الحديث المتخصصين؟


لكل علم أدواته وتخصصه: كما لا يصح أن يأتي شخص لم يدرس الطب ويدعي أن هذا الدواء خطأ بناء على حدسه أو عقله، فلا يصح أن يتصدى لفهم القرآن الكريم وتفسيره من لم يدرس علوم التفسير والحديث، وأصول الفقه، واللغة، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وغيرها من العلوم.

القرآن نفسه كما قلنا لا يمكن فهمه بالعقل المجرد:

قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات).

أفلا يدل هذا أن القرآن فيه ما يحتاج إلى علم وتخصص، وإلا ما كان بعضه محكما وبعضه متشابها؟

ثم قال سبحانه: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ — فكم ممن ينكر السنة اليوم يتتبع المتشابه دون علم؟

حتى الصحابة لم يكونوا يفهمون كل شيء من أنفسهم رغم أنهم أهل اللغة الفصحى التي نزل بها القرآن، وهم أفهم منا بلغة العرب:

كثير منهم كانوا يرجعون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليفسر لهم، ومثال ذلك، ما جاء في صحيح البخاري، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما نزلت: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم".

فإذا كان الصحابي الذي نزل عليه الوحي لا يجتهد بفهمه الخاص ولا بعقله، وإنما يسأل رسول الله لكونه صاحب الوحي، فكيف بمن لا يعرف حتى اللغة؟

 فإنكار السنة بحجة اتباع القرآن فقط يساوي إنكار للقرآن نفسه!

لأن القرآن يقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله).

وقال: (قل أطيعوا الله والرسول).

فهل يعقل أن يطلب الله طاعة الرسول ثم لا يجعل له سنة محفوظة على أيدي أهل الحديث تبين المقصود؟

العقل ليس مصدرا للشرع، بل آلة لفهمه وفق الشرع، فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، لكنه ليس وحده حاكما على الوحي.

ولو جعلنا ما يقتنع به العقل هو الحق، لاختلفت الأديان والشرائع بتعدد العقول لأنها ليست كلها على وتيرة واحدة.

لذلك من فهم القرآن كما يريد دون مرجعية علمية، ضل.

فالخوارج قرأوا القرآن واستدلوا به، ولكن على غير فهمه الصحيح، فاستحلوا دماء الصحابة، ومن ثم استحلوا دماء كل من خالفهم من المسلمين وغيرهم.

قال ابن عباس رضي الله عنه: (يأتون بآيات نزلت في الكفار فيجعلونها على المؤمنين). وهذا حال منكر السنة تماما، يأتون بآيات نزلت على المشركين فيجعلونها على أتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن ينكر السنة بناء على فهمه الشخصي لبعض آيات القرآن، يقع في التحريف لا التفسير، وأيضا أنه بهذا الصنيع يرفض ما أجمع عليه العقلاء من ضرورة التخصص، ويخالف القرآن نفسه الذي أمر باتباع النبي وطاعته.، ويفتح الباب لكل أحد أن يقول في القرآن ما يشاء، وهو ما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) أخرجه الترمذي وغيره، وهو حديث حسن.

والحاصل: كما لا يحق لك أن تفسر قانون نيوتن أو نظرية آينشتاين من نفسك دون دراسة الفيزياء بتعمق، فلا يحق لك من باب أولى أن تفسر كلام الله وتلغي سنة نبيه وأنت لا تملك أدوات الفهم الشرعي.
نكمل غدا بإذن الله مع حلقة جديدة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام