منهج أهل السنة والجماعة في القول بفناء النار
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 561: ما هو منهج أهل السنة والجماعة في القول بفناء النار؟
ج 561: للإمام الصنعاني رحمه الله رسالة في ذلك بعنوان: رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار.
رد فيها على من قال بفناء النار والذي يظهر أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يقولان بفناء النار كما يوحي ذلك من خلال ذكر الأدلة في كتابه حادي الأرواح وقد جزم الألباني بثبوت ذلك عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وحقق كتاب الصنعاني المذكور(1).
ولكن مما نعجب له أن لابن تيمية رداً قوياً على من يقول بفناء النار وابن القيم أيضاً يصرح في غير حادي الأرواح ويقول: النار لا تفنى أبداً(2).
ففي قولهما اضطراب لكن صح هذا وهذا عنهما أو أن أحدهما متأخر.
وقد ظهرت في العصر الحديث رسالة جديدة بعنوان: القول المختار لبيان فناء النار من تأليف عبد الكريم صالح الحميد ينصر فيها القول بفناء النار ويقوي هذا المذهب ويذكر أنه المذهب عند ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ويرد فيه على الصنعاني والألباني.
وقد ذكر الصنعاني وغيره أدلة كثيرة في عدم فناء النار، منها:
قوله تعالى: "وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ"(3).
وقال تعالى: "خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا"(4).
وقال تعالى: "لَا يُفَتَّرُ(5) عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ(6)"(7).
وقوله تعالى: "إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً"(8). أي ملازمًا دائماً كذا فسرها عامة أهل التفسير.
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح(9) فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبّون(10) وينظرون.
فيقول: هل تعرفون هذا؟
فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟
فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ: "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة" وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا "وهم لا يؤمنون"(11).
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم إماتة(12) حتى إذا كانوا فَحْمًا(13) أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر(14) فبثوا(15) على أنهار الجنة(16) ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا(17) عليهم فينبتون نبات الحِبّة(18) تكون في حمِيل السيل"(19).
فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية(20).
وأدلة كثيرة هذا هو مذهب السلف على المشهور.
أما قوله تعالى: "قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ(21) خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ"(22). فقد قيل: الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين حتى يشفعوا في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من لم يعمل خيرًا قط.
كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثُا في تفسير هذه الآية الكريمة وكذا القول في قوله تعالى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(23) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ"(24).
والمسألة لا يصح فيها الخلاف بين السلف ولا نعرف فيها سوى هذا القول، والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم، وبالله التوفيق.
ــــــــــــــــــ
([1]) انظر: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، تحقيق: العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني, المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى, 1405 هـ، (1/7)]، [الطحاوي، العقيدة الطحاوية، شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1414 هـ، (1/73)]، [محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، دار المعارف، المملكة العربية السعودية، الرياض، الطبعة: الأولى، 1412 هـ / 1992 م (2/74، 75 رقم 607، 608)].
([2]) انظر: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق: محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي، دار الفكر، بيروت، 1398 هـ - 1978 م، (1/260).
([3]) سورة الحجر، الآية (48).
([4]) سورة الجن، الآية (23).
([5]) لا يُخَفَّفُ ولا ينقطع.
([6]) آيسون من رحمة الله وساكتون سكوت يأس من كل خير وفرج ومصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة.
([7]) سورة الزخرف، الآية (75).
([8]) سورة الفرقان، الآية (65).
([9]) الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر أو الأغبر أو الذي في خلل صوفه طاقات سوداء والأبيض الخالص كالملح أو الذي يعلوه حمرة.
([10]) يمدون أعناقهم ويرفعون رؤوسهم للنظر.
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير، باب تفسير سورة مريم (4/1760 رقم 4453)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (4/2188 رقم 2849)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.
([12]) وهي إماتة حقيقية وقيل مجازية عن ذهاب الإحساس بالألم.
([13]) كالحطب الذي أحرق حتى اسودّ.
([14]) هم الجماعات المتفرقة وَأَحَدهَا ضُبَارَة من الضَّبْر وهو الجمع والضّم أي يحملون كالأمتعة جماعات منفردين في تفرقة عكس أهل الجنة فإنهم يدخلون يتحاذون بالمناكب لا يدخل آخرهم قبل أولهم ولا عكسه كما في خبر، وهؤلاء يدخلون متفرقين إظهارا لأثر المخالفة عليهم ومع ذلك ففصل الله شملهم.
([15]) فَبُثُّوا على بناء المفعول مِنْ الْبَثّ: فرقوا.
([16]) على حافاتها.
([17]) صبوا.
([18]) الحِبّة: حب الرياحين والعشب وبزر البقول ونحوه مما ينبت في البرية والصحراء التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت من قابل نبتت وليست بقوت، وقيل: كل شيء له حب فاسم الحب منه حِبّة فأما الحنطة والشعير فحبة لا غير.
([19]) ما حمله السيل من طين أو تبن أو غثاء أو غيرها بمعنى محمولة فإذا اتفقت فيه حبة واستقرت على شط أو وَسَط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة، شبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا - أو الحياة - بنبات هذه الحبة لمعنيين: أحدهما: سرعة نباتها، والثاني: أنها صفراء ملتوية ثم تستوي وتحسن، فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتًا ضعيفًا ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه وقيل التشبيه أيضًا في حسن اللون.
([20]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (1/172 رقم 185)] من حديث أبي سعيد الخدري.
([21]) مَقر بقائكم وإقامتكم.
([22]) سورة الأنعام، الآية (128).
([23]) الزفير إخراج النفس بشده والشهيق رده إِلَى الصَّدْرِ وقيل غير ذلك، وتنفس بصعوبة وعناء من الحر والكتمة والضيق مصحوب بآلام مزعجة، واستعمالها في أول النهيق وآخره والمراد تشبيه صراخهم بأصوات الحمير فكما أن الحمير لها أصوات منكرة كذلك لهم أصوات منكرة في جهنم كما يشاهد ذلك في أهل الابتلاء في الدنيا (المكروبين والمحزونين..) لا سيما عند الصلب أو الخنق أو ضرب العنق أو قطع اليد أو نحوها فإن لبعض المجرمين حينئذ خوارا كخوار البقر يتغير صوته كما يتغير لونه.
([24]) سورة هود، الآية (106).