الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 6689

العفو عن المسئ خلق حميد من أخلاق صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (58)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


من جميل أخلاق سلفنا الصالح عفوهم عن المسيئ وإعراضهم عن جهله، ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ([1]) وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً، فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي: لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} ([2])، وإن هذا من الجاهلين.

والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله" ([3]).

والشاهد في الحديث: أن الحر بن قيس ذكَّر أمير المؤمنين عمر بخلق العفو والإعراض عما زلَّ به عيينة مستنداً إلى الآية الكريمة حيث طالبه بالمساهلة فيما صدر منه لأن هذا خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمعها عمر استرجع وصفح وعفا، لكونه كان وقَّافاً عند كتاب الله، فلا يتجاوز أمره ونواهيه.

قال القرطبي: "هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات فقوله: "خذ العفو" دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: "وأمر بالعرف" صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: "وأعرض عن الجاهلين" الحض على التعلق بالعلم والإعراض عن أهل الظلم والتنزه عن منازعة السفهاء ومساواة الجهلة وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة " ([4]).

وجاء في الصحيح من حديث أبي هريره: "أن رجلاً قال يا رسول الله: إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ، ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي.

فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك " ([5]).

وهذا الحديث يُظْهِر لنا ما تحلَّى به هذا الصحابي من الأخلاق الحسنة من صلة الأرحام والحلم والإحسان لقرابته رغم جهلهم عليه وقطيعتهم له وإساءتهم إليه ، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالمعين والدافع لأذاهم طالما وهذه أخلاقه معهم ، وقال له : كأنما تطعمهم الرماد الحار لأنهم لم يلقوا منك نظير ما هم عليه من الأذى ، أو أنه : ينالهم الوزر إزاء أذاهم لك.

ويُروى أن رجلاً جاء إلى علي بن الحسين رضي الله عنه فقال له: "إن فلاناً قد آذاك، ووقع فيك، قال: فانطلقْ بنا إليه، فانطلق معه، وهو يرى أنه سينتصر لنفسه، فلما أتاه، قال: يا هذا إنْ كانَ ما قلتَ فيَّ حقاً فغفرَ الله لي ، وإن كان ما قلت فيَّ باطلاً فغفر الله لك " ([6]).

و" كان لأبي حنيفةَ ([7]) جارٌ بالكوفة إسكافي ([8]) يعمل نهاره أجمعَ حتى إذا أجنّه الليل رجع إلى منزله ، وقد حمل لحماً فيطبخه أو سمكة فيشويها ثم لم يزل يشرب حتى إذا دبّ فيه، غّرَّد بصوتٍ وهو يقول:

أضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا ...ليوم كريهةٍ وســدادِ ثغـرِ

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جَلبته كل ليلةٍ، ففقد أبو حنيفة صوته ليلة فسأل عنه، فقيل أخذه العَسَسُ منذ ليال وهو محبوس فصلّى أبو حنيفة الفجر وركب بغلته واستأذن على الأمير، فلما دخل قال: لي جار إسكافي أخذه العَسَس منذ ليال يأمر الأمير بتخلية سبيله، فقال: نعم، وكل من أُخِذ تلك الليلة ، فَتُرِكُوا أجمعين ، وخرج أبو حنيفة والإسكافي يمشي وراءه ، فلما نزل أبو حنيفةَ رضي الله عنه مضى إليه ، وقال : يا فتىَ أضعناك؟! ، فقال : لا بل حفظتُ ورُعيتُ جزاك الله خيراً عن حُرمة الجِوار ورعاية الحق ، وتاب ذلك الرجل ولم يعد إلى ما كان عليه" ([9]).

و" قال يونس الصدفي([10]) : ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال : يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإنْ لم نتفق في مسألة "([11]).

ما أجملها من كلمات " ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإنْ لم نتفق في مسألة ".

هذا هو المنهج الشرعي الأخلاقي الذي تغافل عنه كثير من أبناء الإسلام وخصوصاً بعض المتعلمين الذي يرعون قطيعاً غفيراً من أبناء الأمة.

إذا سألت بعضهم لِمَ لمْ تقف مع أخيك صفاً واحداً لدفع ما حل بالمسلمين في الحادثة الفلانية ؟ ولِمَ لا تبادله حقوق الإخاء ولو الحقوق العامة وإن وقع الإختلاف ؟
قال لك : أنا مختلفٌ معه في كيت وكيت ، ولا بدَّ لي منه من موقفٍ واضحٍ حتى يتراجع عن زلته.
فإذا قلت له : ذاك شرٌ وبلوى ، وخلافك معه في مسائل يصوغ فيها الخلاف، ويمكن أن يزول مثل ذلك بالحوار والنقاش العلمي.
قال لك : وإن عمت البلوى ، ولن أجالسه أو أحاوره ، ففيه نظر.
فإذا قلت له : وما النظر المقصود حتى نناصحه ، فإما أن يُحْجِم ويتركك وشأنك، وإما يعيد مثل العمومات السابقة ونحوها بغرض التهرب من الجلوس مع من يدَّعي أنه يخالفه الرأي.

فأقول : مثل هذا الصنف لا ينفع أن يكون قدوةً حسنةً ، بل لا يؤتمن عليه في تربية الأجيال إذ جعل خلاف الفروع سبيلاً لإرساء خلاف التضاد فبمجرد خلافه مع فلان من الناس أرسى مبدأ المفاصلة له ولمن أثنى عليه ولو في أمرٍ مجمعٍ على شرعيته، وإن أدى ذلك إلى الإضرار بالمجتمع كله {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} ([12]) وقال : أنا أختلف مع فلان!!.

ومتى رأيت الشخص يجعل مسائل الفروع مسائل تُفضي إلى التفرقة والقطيعة فاعلم أنه دسيسة أو جاهل أو مكابر أو أحمق وإن ربط عمامةً وذَيَّلَها.

ومما يؤسف له أن بعضهم ربما يتمسك ببعض أقوال وأفعال السلف فينزلها على أخيه الذي يتفق معه على الأصول العامة ، وهي في أهل الأهواء والبدع أو يجد قولاً عن بعض السلف أخطأ فيه أو اجتهد فيه فيجعله حجةَ الله في أرضه رغم أن جماهير السلف على خلافه فيجعل ما وافق هواه في مقام الكلام المنزل الذي لا يحتاج إلى مخالف ، بل ربما جعل شيخه في مقام الاحتجاج دون غيره ، فإذا غضب من شيخه جعله مرمى السهام فيزيد الفتنة ويوقدها بين أبناء الأمة دون تورع أو روية ، وقد يتبعه على طريقته أحداث كثيرون وهكذا تتسلسل الأحزاب والعصبيات وأساس ذلك كله التقليد العاطفي الذي لم يقم على صفاء المنهج مِمَّا أدى إلى الفرقة المفضية إلى عدم التعاون مع أبناء الإسلام في الأمور المسلمة فيها.

في الوقت نفسه يتعاون أهل الباطل والكفر والإلحاد وأهل الملل والنحل والمناهج المنحرفة على ضرب الدعوة وأبنائها ويتربصون بها الدوائر وتجتمع كلمتهم على الباطل رغم أنهم فيما بينهم لا يتفقون في شئ ، ونحن معاشر الدعاة وطلبة العلم لم نقف يوماً واحداً لإرساء قاعدة الأخوة الصحيحة التي توحد كلمتنا([13]) ومن قام بذلك وجد من يخذله أو ينقده أو يحذر منه لا لشئ سوى التقليد أو الحسد أو الجهل بواقع الأمة ، أو زلَّةِ قلم يمكن تصحيحها بالنصيحة ، أو مسألةٍ يسع فيها الخلاف فيجعلها الناقد المتعجل من الأمور المسلَّمة الفاصلة ، فليت شعري من المستفيد ؟ !!.

لقد كان " سلف الأمة من أصحاب القرون الثلاثة المفضلة [ ومن اتبعهم بإحسان ] يتسامحون في الاختلاف فيما يجوز الاختلاف فيه حفاظاً على الوحدة في الأمة " ([14]) حتى تكون الأخوة الإيمانية قائمةً على مبدأ الشريعة السمحة التي توحد المتفرقين وتحمع كلمتهم تحت لواء واحدٍ ، شعاره قول رب العالمين :{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}" ([15]).

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_______
([1]) الحر بن قيس بن حصن الفزاري ابن أخي عيينة بن حصن ذكره ابن السكن في الصحابة ، كان أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من فزارة مرجعه من تبوك ، وكان من القراء ومستشاري عمر وجلسائه [ أسد الغابة لابن الأثير (1/ 576)، مصدر سابق ، الإصابة لابن حجر(2/ 58)،مصدر سابق].
([2]) سورة الأعراف ، الآية رقم (199).
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب التفسير ، تفسير سورة الأعراف (4/ 1702 رقم 4366)].
([4]) الجامع لأحكام القرآن الكريم للقرطبي (7/ 344).
([5]) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب البر والصلة والآداب ، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/ 1982 رقم 2558)].
قوله " لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم ما دمت على ذلك " المل بفتح الميم الرماد الحار ،و"تسفهم " بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء ، والظهير المعين والدافع لأذاهم، وقوله " أحلم عنهم " بضم اللام، " ويجهلون " أي يسيئون، والجهل هنا القبيح من القول، ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شئ على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وادخالهم الأذى عليه [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (16/ 115)،مصدر سابق].
([6]) صفة الصفوة لابن الجوزي (2/ 94)،مصدر سابق.
([7]) أبو حنيفة الإمام، فقيه العراق النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي، مولده سنة ثمانين للهجرة، روى عن عطاء بن أبي رباح ، ونافع مولى بن عمر وخلق كثير، تفقه به زفر بن الهذيل، وداود الطائي، والقاضي أبو يوسف الأفريقي، ومحمد بن الحسن وغيرهم، وحدث عنه وكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون وغيرهما، وكان إماماً، ورعاً، عالماً، عاملاً، متعبداً، كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتجر ويتكسب، وقال الشاقعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، توفي على المشهور سنة 150هـ[ تذكرة الحفاظ للذهبي (1/ 168ـ169)،مصدر سابق].
([8]) تطلق هذه المهنة على مصلح الحذاء.
([9]) الوافي بالوفيات للصفدي (ص3353) ، مصدر سابق.
([10]) يونس بن عبد الأعلى عالم الديار المصرية الإمام أبو موسى الصدفي المصري الحافظ المقرىء الفقيه، مولده في آخر سنة سبعين ومائة، قرأ القرآن على ورش وغيره، سمع من سفيان بن عيينة والوليد بن مسلم وابن وهب والشافعي، حدث عنه أبو بكر بن زياد وابن أبي حاتم وأبو الطاهر المديني وخلائق، توفى في ربيع الأول سنة264هـ[ تذكرة الحفاظ للذهبي (2/527)،مصدر سابق].
([11]) سِيَر أعلام النبلاء للذهبي (10/ 16) ، مصدر سابق].
(12) سورة البقرة ، الآية رقم (206).
([13]) ولا شك أن قاعدة الأخوة معلومة ظاهرة في الكتاب والسنة ، والمقصود أن تُلَخص هذه الأحكام السلوكية وفق منهج السلف لتكون سهلة المتناول ، وقد تولى ذلك كثير من المؤلفين وكلٌ أدلى بدلوه حسب ما يراه مناسباً.
([14]) الأصول والثوابت وأثرها في وحدة الأمة الإسلامية للشيخ الدكتور زكريا المصري(ص40).
([15]) سورة الأنعام ، الآية رقم ( 153).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام