القـــرآن الكريــــــــــم يدعونا لتوثيق أخوة الاسلام، وهو المصدر الأول الذي اعتمده النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لبناء الأخوة الإسلامية التي تنافي مبدأ التنافر والفرقة والطعن في خيار المجتمع من علماء ودعاة وطلاب ومربين ونحوهم ممن لا صلة لهم بالعنصرية والطائفية والحزبية والتعصب للمشايخ ونحوها من الولاءات الضيقة
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (5)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
لقد دعانا الله عز وجل إلى تدبر آياته للعمل والعظة والاستدلال ، وإعمال الفكر في ما يعود نفعه على الإسلام وأهله ، فقال سبحانه: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً (82)} ([1]).
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29)} ([2]).
وقال سبحانه : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)}([3]).
قال ابن كثير: "إنما يَفْهَم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة ، والفهوم المستقيمة([4])".
ومن هذا التدبر " النظر والاستدلال "([5]) ولو تأملنا في كتاب الله وما حواه من القضايا والأحكام ونحوها لوجدنا أن القرآنَ الكريم أصلٌ اعتمده النبيصلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام لبناء الأخوة الإسلامية التي تنافي مبدأ التنافر والفرقة ، حيث أصَّل القرآن الكريم روابط الأخوة وفق فطرة الله التي فطر الناس عليها من خلال قضايا أخوية عديدة ، ولنقف على شئ من أدلة وأمثلة هذا الأصل ، حتى نضع النقاط على الحروف وتحتها :
المثال الأول:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} ([6]).
فهاتان الآيتان الكريمتان حافظتا على التكافؤ في الدماء والعدل والمساواة، مع المحافظة على حياة الأمة حتى تنعم بالأمن والاستقرار، "فلا يفضل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حرٌّ أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير على أمي أو مأمور "([7]) فالكل سواسية.
ولما كانت أخوة الدين هي القاسم المشترك بين القاتل والمقتول أو أولياء الدم، سيقت الآية باعتبار أن الإِخاء الرابط الوثيق بين الطرفين ، وإن حصلت معصية القتل، فقال سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}([8]).
المثال الثاني :
قال تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} ([9]).
فهذه الآية تدعو إلى توحيد الأمة على أخوة الدين ، وقد سعى النبي صلى الله عليه وسلم لتوحيد المسلمين في عهده حيث وحَّدَ " القلوب والمشاعر ، ونتج عن ذلك أن رُصَّت الصفوف، وقوي أصحابها أمام خصومهم وأعدائهم فأصبحوا قوةً رئيسية جديدة في العالم آنذاك بعد أن كانوا ممزقين"([10]).
المثال الثالث :
قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} ([11]).
ففي هذه الآية: دلالة على مفهوم أخوة الدين ، التي تكون بإصلاح ذات البين، كما تكون " بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ، ونصرتهم ، والذب عنهم ، والشفقة عليهم ، وإفشاء السلام عليهم ، وعيادة مرضاهم ، ومنه مراعاة حق الأصحاب ، والخدم، والجيران ، والرفقاء في السفر.. [ ومنها أنهم ] يدرؤون بالحسنة السيئة ويدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم ، وإذا حُرِموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قُطعوا أوصلوا ، وإذا أذنبوا تابوا ، وإذا هربوا أنابوا ، وإذا رأوا منكراً أمروا بتغييره "([12]).
ومن واجبات الأخوة التي تقصدها الآية التآخي على المنهج كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المهاجرين والآنصار " ليذهب عنهم وحشة الغربة ، ويتآنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة ، ويشد بعضهم أزر بعض"([13]).
ولذا " لما أعز الإسلام، واجتمع الشمل ، وذهبت الوحشة ...جعل المؤمنين كلهم إخوة ، وأنزل " إنما المؤمنون إخوة"([14]).
المثال الرابع:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)}([15]).
قيل: إنها : نزلت في رجلين من أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم اغتابا رفيقهما وذلك [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى الرجلين الموسرين فيخدمهما ، فضم سلمان إلى رجلين فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيئ لهما شيئاً ، فجاءا فلم يجدا طعاماً وإداماً ، فقالا له : انطلق فاطلب لنا من النبيصلى الله عليه وسلم طعاماً وإداماً ، فذهب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أذهب إلى أسامة بن زيد([16]) فقل له إن كان عندك فضل من طعام فليعطك ـ وكان أسامة خازن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فذهب إليه فقال أسامة: ما عندي شيء فرجع إليهما فأخبرهما ، فقالا : قد كان عنده ولكنه بخل ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة ، فلم يجد عندهم شيئاً ، فقالا : لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة([17])لغار ماؤها ، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شيء ، فرآهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ، فقالا : يا نبي الله ، والله ما أكلنا في يومنا هذا لحماً ولا غيره فقال : " ولكنكما ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة " فنزلت : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ذكره الثعلبي([18]) أي لا تظنوا بأهل الخير سوءاً إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير([19]).
" فمَنْ يَحكم بشرٍ على غيره بالظن ، بعثه الشيطان على أن يطوِّل فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ، ويرى نفسه خيراً منه ، وكل ذلك من المهلكات ، ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم "([20]).
وهذه الآيات كلها ونجوها أسندت الأخوة إلى أهل الإيمان لتؤكد الصلة الوثيقة بين المؤمنين كما قال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)}([21]).
فالقرآن الكريم المصدر الأول لبناء أخوة الدين، وقد اعتمده النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لبناء هذه الأخوة التي تنافي مبدأ التنافر والفرقة والطعن في خيار المجتمع من علماء ودعاة وطلاب ومربين ونحوهم ممن لا صلة لهم بالعنصرية والطائفية والحزبية والتعصب للمشايخ ونحوها من الولاءات الضيقة ، على أن القرآن الكريم أشار إلى بقية أنواع الأخوة كأخوة النسب ليثبت علاقة القربى وحق الميراث ونحوهما من حقوق القرابة النسبية وأحكامها كما قال تعالى:{فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ([22])، وقال عن نبيه موسى عليه السلام {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً (53)} ([23]) ونحوها من الآيات ، كما أشار إلى أخوة القبيلة من خلال ذكر أنباء من سبق من الأمم السالفة لأجل العبرة والعظة فقص علينا من خبر قوم عاد فقال سبحانه: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} ([24]) ، كما قص علينا من خبر ثمود فقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)}([25])ونحوها من الآيات.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
__________________________
([1]) سورة النساء ، الآية رقم (82).
([2]) سورة ص ، الآية رقم (29).
([3]) سورة محمد ، الآية رقم (24).
([4]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 348)، مصدر سابق.
([5]) الجواهر الحسان في تفسير القرآن، تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (1/ 394)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
([6]) سورة البقرة ، الآية رقم (178،179).
([7]) السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية لابن تيمية (ص195)، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الأولى.
([8]) سورة البقرة ، الآية رقم (178،179).
([9]) سورة آل عمران ، الآية رقم (103).
([10]) انظر: الأصول والثوابت وأثرها في وحدة الأمة الإسلامية، تأليف الدكتور زكريا بن عبد الرزاق المصري (ص36)، وكذا كتاب فجر الإسلام، لأحمد أمين (ص16)، دار الكتاب العربي ، بيروت ـ الطبعة الحادية عشر ، 1979م.
([11]) سورة الحجرات ، الآية رقم (10).
([12]) مدارك التنزيل وحقائق التأويل للعلامة عبد الله بن أحمد النسفي (2/ 216).
([13]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (7/ 270).
([14]) المصدر السابق (7/ 270).
([15]) سورة الحجرات ، الآية رقم (12).
([16]) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس الكلبي الحب بن الحب يكنى أبا محمد ، ويقال أبو زيد ، ولد في الإسلام ، ومات النبي وله عشرون سنة، وكان أمره على جيش عظيم، فمات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجه فانفذه أبو بكر، وكان عمر يجله ويكرمه وفضَّله في العطاء على ولده عبد الله بن عمر، واعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (1/ 49)].
([17]) بئر قديمة، كثيرة الماء ، كانت بالمدينة [ انظر تاج العروس من جواهر القاموس، تأليف: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (6/ 486)، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، الطبعة الأولى], ومعجم البلدان لياقوت الحموي (3/ 255), دار الفكر، بيروت ، الطبعة الأولى.
([18]) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري أبو منصور الثعالبي الأديب اللغوي، ولد سنة 350هـ ، وتوفي سنة 429هـ ، له من التصانيف أحاسن المحاسن ، إعجاز الإيجاز ، الكشف والبيان في التفسير وغيرها ، وفي كتابه التفسير الكثير من غرائب التفسير وأسباب النزول [ هداية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي (5/ 625) ، مصدر سابق ] وكذا [ أبجد العلوم للقنوجي (3/ 71)].
([19]) الجامع لأحكام القرآن الكريم، للعلامة محمد بن أحمد القرطبي (16/ 331)، ولم أجد من أسند هذه الرواية بسند متصل سوى حكاية بعض المفسرين عن الثعالبي.
([20]) فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبدالرؤوف المناوي (3/ 122).
([21]) سورة التوبة ، الآية رقم (71).
([22]) سورة النساء ، رقم (11).
([23]) سورة مريم ، الآية رقم (53).
([24]) سورة الأحقاف ، الآية رقم (21).
([25]) سورة النمل ، الآية رقم (45).