الإنصاف عزيز
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الإنصاف جوهرة نادرة، لا يظفر بها إلا من طهر قلبه من الهوى، وسمت نفسه عن التعصب.
فهو يزن الأقوال بميزان الحق، لا بميزان الأسماء، ويقيم الرجال والجماعات والعوارض على ضوء الدليل، لا على وهج الشعارات.
لكنّ المنصف – في هذا الزمن – غريب، إذ تراه لا يميل إلى طرف على حساب آخر، ولا يساق بالعاطفة حيث سارت الجموع، بل يقف وقفة العدل فيرضي الله ولو أسخط الخلق.
وهنا تبدأ سهام التهم تنهال عليه من كل جانب: يتهمه هذا بالانحياز، وذاك بالخذلان، وثالث يصفه بالجبن أو المداهنة، وآخر بالمتلون، أو المميع، وهكذا يصف أولئك المتعجلون خيار الناس الذين تبكي قلوبهم قبل أعينهم بتلكم الصفات التي لا حقيقة لها.
غير أنّ المنصف يعلم أن هذا طريق الأنبياء والعلماء، فقد قوبلوا بالتهم والافتراءات، فما وهنوا وما استكانوا، بل مضوا في طريقهم صابرين محتسبين، يصدعون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم.
فالسكوت عن الباطل باطل، والرضا بالظلم ظلم، ومن سكت خوفا من ألسنة الناس فقد خسر نفسه وأضاع أمانته.
أما من صبر واحتسب، وجعل الحق ميزانه، فقد فاز برضا الله، ونال شرف الكلمة الصادقة التي ترفع صاحبها يوم القيامة.
الإنصاف وإن كان عزيزا، إلا أنه طريق النجاة، وبه يعلو العدل، وتستقيم الموازين، وتبقى الأمة بخير ما وجد فيها من يقول للمخطئ: أخطأت، وللمحسن: أحسنت، بصدق لا رياء، وبإخلاص لا مداهنة.
قال الله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم، فإن ذلك نصره).
فمن صبر واحتسب، وأقام العدل حيث خاف الناس، وأعلن كلمة الحق حيث خرس الجبناء، فقد نال شرف المنصفين، وأدرك رضا رب العالمين.