التحزب طريق الجمهوريات إلى التمزق
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
عامة الجمهوريات في العالم يبدأ حلمها كبيرا باسم الديمقراطية والتعددية الحزبية، لكن سرعان ما تتحول هذه الشعارات إلى معركة طاحنة على النفوذ، توزع فيها المناصب كما تقسم الغنائم بين الفصائل، ويصبح هم الزعيم الحزبي إرضاء قيادته لا إصلاح وطنه، حتى لو كان الثمن تمزيق الدولة.
منذ منتصف القرن العشرين شهدت جمهوريات عربية وأفريقية وأوروبية شرقية انهيارات متتالية، لم يكن السبب فيها الاحتلال الخارجي فحسب، بل الصراع الداخلي بين أحزاب تسمي نفسها وطنية وهي تمارس أبشع صور الأنانية السياسية.
العراق في التسعينيات، ولبنان منذ الحرب الأهلية وحتى اليوم، واليمن في العقد الأخير، أمثلة حية على جمهوريات مزقها نظام المحاصصة، حيث صارت الوزارات حصصا، والمال العام غنيمة، والمواطن ضحية.
وللتوضيح أكثر:
لبنان منذ اتفاق الطائف الذي تم توقيعه رسميا في 4 نوفمبر 1989م، والذي نص على نظام المحاصصة الحزبية والطائفية، بحيث يصير لكل حزب وزارة أو أكثر، أدى إلى موت الدولة وانتعاش المليشيات.
العراق بعد 2003م، تقاسمته الأحزاب الطائفية، فانتشر الفساد، وتراجعت الخدمات، وضاعت ثروات النفط بين أروقة الولاءات.
واليمن حين دخلت الأحزاب في لعبة المناصب، صار هم كل حزب أن يحصل على نصيبه من الكعكة، فانتهت البلاد إلى صراع دموي أكل الأخضر واليابس، وانتهت الدولة بسقوطها وتمزقها كما لا يخفى على الجميع.
الشريعة تحذر من ذلك تحذيرا صريحا، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
وقال أيضا: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة الحكم الراشد حين قال كما ثبت عند الحاكم وغيره: (من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).
الدولة الناجحة هي التي تغلق باب التحزب الممزق، وتحافظ على وحدة القرار، وتربط السلطة بالدين والعدل لا بالصراع على المقاعد، حيث تضع معيار التولية في الكفاءة والأمانة، وتربط الولاء بالوطن والشريعة لا براية حزب أو برنامج انتخابي موسمي.
التاريخ يشهد أن الأمة إذا انقسمت أحزابا متناحرة، ووزعت مفاصل الدولة كمكافأة للموالين، فإنها تحفر قبرها بيدها، وإن الإصلاح يبدأ من إغلاق هذا الباب، ومن إعادة الأمانة إلى نصابها، كما أمر الله تعالى بقوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
إنه طريق واحد لا وسط فيه: إما دولة الكفاءات أو دولة الكعكات، والأولى تبني، والثانية تدمر، وأكبر نموذج ناجح تبصرونه أيها الفرقاء (السعودية، ودول الخليج).
لكن في الوقت الحالي، لا يمكن محو التعددية بالقوة أو بمجرد قرار، لغياب قوة الدولة وهيمنتها، بل البداية تكون بتوحيد الصفوف على هدف جامع: الدفاع عن الوطن، وحماية العقيدة، ومواجهة العدو المشترك.
فإذا تحقق النصر واجتمع الفرقاء على كلمة سواء، حان وقت إعادة صياغة الدولة على أساس الكفاءة والعدل والشريعة، لا على أساس المحاصصة الحزبية أو الولاءات الضيقة، (لا طائفية ولا حزبية).
والله من وراء القصد