الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6282

توجيه للأخوات في ترك الاختلاط والحرص على الخير
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 677: حياكم الله -شيخنا الفاضل- وبارك فيكم: هناك أخت حصلت على الماجستير من كلية مختلطة لتخصص دنيوي، أي ليس في علوم الشريعة، وكانت تشرف على رسالتها أستاذة مقيمة في كندا ولا تلبس الحجاب الشرعي، وبعد أن أنهت الأخت دراستها قررت التفرغ لأمور دينها ريثما تجد عملًا مناسبًا بعيدًا عن الاختلاط، ثم إن مشرفتها طلبت منها كتابة مقال لتلقيه هذه الأخيرة في أحد الملتقيات العلمية بالخارج، ومن ثَمَّ يتم نشره في إحدى المجلات المتخصصة، فبم تنصحون هذه الأخت؟

أضف إلى ذلك أنها عندما أنهت دراستها قطعت اتصالاتها مع هذه الأستاذة ومع زميلاتها؛ خوفًا من أن يتم التأثير عليها، فكانت ترسل لها هذه الأستاذة عبر الإيميل، فأحسّتْ بالذنب لقطعها للعلاقة، كما أنها تريد أن تتواصل معهن لإرشادهن لأمور الدين، فكيف تتصرف؟

ج 677: أولا: الحمد لله على نعمة الهداية لهذا الدين وترك الاختلاط، وعلى الأخت أن تكثر من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد([1]). فالإنسان لا يدري كيف ستكون خاتمتُه، فخير له أن يموت على عمل صالح، لا على معصية؛ لأن العبرة بالخواتيم، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"([2]).

وعلى هذه الأخت كثرة الاستغفار والندم على ما جرى من اختلاط، مع البعد عن المعاصي بعد أن مَنَّ الله عليها بالتوبة، وفي الحديث الصحيح، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللهُ عَلَيْهِ"([3]).

 ثانيًا: ما يتعلق بكتابة المقال والقيام بإلقائه في إحدى الملتقيات العلمية المختلطة فهذا لا يجوز؛ لأنه نوع من النكسة وضعف الإيمان، فإن من صدق مع الله صدق الله معه، ولذا فلا تبطلي عملك الصالح بمثل ذلك بعد نعمة الهداية؛ "فَإِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يقلبها كيفَ يشاءُ" كما صح ذلك عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-([4]) ، فلا تفعلي ذلك، واحمدي الله على الخير الذي أنتِ عليه.

ثالثًا: لا أنصحك بقطع الصلة بالأستاذة والزميلات، بل عليك التواصل بهنّ بنية النصح والإرشاد، لعل الله أن يصلح حالهن؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ فاعلِه"([5]). وأخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا"([6]).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعليٍّ -رضي الله عنه- لما بعثه إلى اليهود في خيبر: " ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ([7])" متفق على صحته([8]).

لكني أقول لهذه الأخت: تواصلي معهنَّ إذا كنتِ تأمنين على نفسكِ من الفتن، وتأمنينَ من أن تنجرفي وراءهُنّ والعياذ بالله، فكم من الأخوات كان حالُهن كحالك، ولكن سُرعان ما انجرفن إلى الباطل وانتكسن وصرن من أشد أعداء الله، إلا من سلمهن ربي.

لذا زِني الأمور بميزان الشرع، وتأملي في واقعك قبل الخوض في مثل هذه المسالك التي فيها الجمر تحت الرماد، وبالله التوفيق.


[1] أخرجه البخاري في الأدب المفرد [كتاب الأذكار –باب دعوات النبي -صلى الله عليه وسلم- (1/357 ،358 رقم 683)] من حديث أنسٍ -رضي الله عنه- بلفظ: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

[2] أخرجه البخاري في "صحيحيه" [كتاب الجهاد والسير - باب لا قال: فلان شهيد، (3/1061 رقم 2742)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب القدر - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.. (1/ 106 رقم 112)] كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-.

[3] أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (22/271 رقم 14373) من حديث جابر -رضي الله عنه-.

[4] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب القدر- باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (4/2045 رقم 2654)] من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنه -.

[5] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الإمارة - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، (3/1506 رقم1893)].

[6] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب العلم - باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة (4/2060 رقم 2674)] من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

[7] حمر النعم: الإبل الحمراء، وكانت أنفس الأموال عند العرب.

[8] أخرجه الإمام البخاري في " صحيحه" [كتاب الجهاد والسير - باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله (3/1077 رقم (2783)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب فضائل الصحابة- بابٌ مِن فضائل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- (4/1872 رقم 2406)] من حديث سهل الساعدي –رضي الله عنه-.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام