حكم مضغ القات
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 621: هذا أخونا سلطان سيف من اليمن يقول: يا فضيلة الدكتور، ما رأيك في القات، هل هو حرام أو حلال، وما هو رأي العلماء في القات باليمن، وبارك الله فيك، ونفع بك؟
ج 621: هذا السؤال قد خضنا فيه كثيرًا، وتكلمنا عنه في أكثر من مجلس، والقات شجرة خبيثة لا تليق بصالحٍ أو شخصٍ ينتسب للعلم أن يمضغها، وذلك لِما احتوت عليه من الأضرار التي من أشهرها ما يلي:
أولًا: الأضرار الصحية التي ذكرها الأطباء؛ كاحتوائه على مواد مسرطنةٍ، ومواد أخرى تسبب الإمساك الحادَّ، وتليفَ الكبد، وارتفاعَ الضغطِ، وزيادةَ ضرباتِ القلبِ، ونوباتِ الصداعِ، وضعفَ الذاكرةِ، والتوترَ والهلوسةَ، وأحيانًا يحل النزيف في الدماغ بسبب الإدمان عليه، والذين يتعاطون القات يكثر عندهم السهرُ وقلةُ النومِ والأرقُ، وعند بعضهم التهاب المريء، وزيادة الحموضة، وقرحة المعدة، وفقدان الشهية، واصفرار الأسنان، وبعضهم يكثر عنده المذي، ويقل عنده المني، ونحوها من الأضرار الصحية الأخرى، قال الله تعالى: "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"(1).
وفي الحديث الحسن لغيره عن ابن عباس وعبادة بن الصامت - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر ولا ضرار"(2).
وقد أعجبني شعرٌ في القات ذكره شيخ مشايخنا - الشيخ محمد بن سالم البيحاني - رحمه الله - في كتاب "إصلاح المجتمع" يقول فيه:
إن رُمْتَ تعرف آفةَ الآفاتِ
فانظر إلى إدمانِ مضغ القاتِ
القاتُ قتلٌ للمواهبِ والــقُوى
ومولِّدٌ للهــــمِّ والحســـراتِ
ما القاتُ إلا فكرةٌ مســـمومةٌ
ترمي النفوسَ بأبشعِ النكباتِ
ينسابُ في الأحشاء داءً فاتــــكاً
ويعرِّض الأعصـابَ للصدماتِ
يذرُ العقول تـتيهُ في أوهامـــها
ويذيقُها كأسَ الشقاء العاتـــي
ويُميتُ في رُوح الشبابِ طموحَهُ
ويذيبُ كلَّ عزيمةٍ وثبــــــاتِ
يغتالُ عُمْرَ المرء معْ أموالـهِ
ويريه ألواناً من النقمـــــاتِ
هو للإرادةِ والـفتوَّةِ قاتــلٌ
هو مــاحقٌ للأوجهِ النَّضِــراتِ
فإذا نظرتَ إلى وجــوه هُواتـِــهِ
أبصرتَ فيـها صُفرةَ الأمواتِ(3)
كما أن شيخنا وأستاذنا محمد بن سعيد الشيباني - رحمه الله - يرى تحريمه، وهو تلميذ العلامة البيحاني، وقد ألف رسالة في تحريم مضغ القات، وهي رسالة طيبة.
وأيضا من الأبيات التي ذكرها العلامة البيحانيُّ عن أحد علماء اليمن أنه قال:
عزمتُ على تركِ التـناول للقاتِ
صيانةَ عرضي أن يضيـعَ وأوقاتي
وقد كنتُ عن هذا المضرِّ مدافعًا
زمانًا طويلًا رافعًا فيــــه أصواتـي
فلما تبينْت المضرة وانجلــتْ
حقيقتهُ بادرتــُـــهُ بـالمناواةِ
طبيعته اليُبْسُ المُـلمُّ ببـــــردِه
أخـا الموت كم أفنيتَ منّا الكراماتِ
وقيمة شاري القاتِ في أهل سُوْقِهِ
كقيمةِ ما يدفعه من ثمنِ القــــــاتِ(4)
ثانيًا: أنه سبب لإهدار المال بغير وجه شرعي، فيسرف فيه لأجل شراء القات ولو على حساب التقصير على أسرته، وهذا الإهدار حرام لقول الله - عز وجل - : "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(5).
وأخرج مسلم في صحيحه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يَحبِسَ عمن يملكُ قُوتَه"(6)، وفي رواية أخرى: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت"(7).
ثم إن مثل هذا الإسراف فيه نوع من التبذير، والله - عز وجل - يقول: "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ"(8).
فالذي يشتري هذا القات يعتبر مبذرًا، وهذا التبذير الذي يحصل منه إنما يحصل بسبب كثرة هذه النفقة، وهي نفقة من غير فائدة، وهذا المال هو الذي أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "وإضاعة المال(9)"(10)، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - قد حذر الصحابةَ رضوان الله عليهم من الأشياء التي هلك من هلك من الأمم السابقة بسببها؛ فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم"(11)، وقد كان من تحذيره - صلى الله عليه وسلم - لهم أن حذرهم من إضاعة المال، كما مر في الحديثين السابقين.
وإنه ليدور في خاطري ما ذكره الإرياني - وهو العلامة علي بن يحيى القاضي - رحمه الله - من الشعر، حين قال:
تولعتمُ بالقاتِ والقاتٌ قـــاتلُ
وفي حـذف حرف اللام منه دلائــلُ
وكم قد رأينـا من رجالٍ تولعوا
فـقـد ثكـــلتهم -بعـد ذاك- الثواكـلُ
إضاعة مالٍ، ثــم فقرٌ، وفاقــــةٌ
ويُبْسٌ يضـر الجسمَ، والجسم ناحلُ
وما هو إلا الضر من غير شبهة
ويُقطعُ بالإكثار مــــــنه التـــناسـلُ
هذا هو الضرر الثاني؛ وهو إضاعة المال بغير وجه شرعي.
ثالثًا: أن القات مُفَتِّرٌ ومخدِّرٌ نوعاً ما للجسم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل مسكرٍ خمرٌ، وكل خمرٍ حرامٌ"(12).
وقد أثبت علماء اليمن هذه العلة في كتبهم موافقة للأطباء، ورأى بعضهم تحريمه منهم: الإمام يحيى شرف الدين، وهو ابن شمس الدين في رسالته "الرسالة المانعة من استعمال المحرمات الجامعة في علّة التحريم بين الحشيشة والقات وغيرها من سائر المسكرات ومنهم القاضي العلامة علي بن يحيى الإرياني الذي رأى حرمته وذكر أبياتاً كثيرة منها ما سبق ذكره، ومنها أيضاً:
ألا إنّ بعضَ القاتِ أولُهُ سُكْرُ
وآخِرُهُ حُزْنٌ كَمَا تَفْعَلُ الْخَمْرُ
على أنَّ هذا أصلُ كُلِّ مَضَرَّةٍ
وتِلكَ بِهَا نَفْعٌ كما نَطَقَ الذِّكْرُ
وما البَعْضُ منْهُ مُسْكِرٌ فجميعُهُ
حرامٌ، كَما قدْ قرّرَ السّادَةُ الطُّهْرُ
فما لكمُ يا قومَنا قدْ جهِلْتُمُ
ولمْ تعلموا أنّ الولوعَ بِهِ خُسْرُ؟
ومنهم أيضاً: الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي علامة سامطة حيث قال:
القاتُ فيه بلايا لا دواءَ لها
في اليومِ هذا، وفي الماضي، وفي الآتي
لأنهُ فاعلٌ في العقل ما فعلَتْ
خمرُ الدِّنَانِ(13) وَسَلْ أهلَ الحقيقاتِ
يُغيِّرُ العقلَ شرعاً لا مراءَ، وسلْ
مَنْ جرَّبوهُ تجِدْ صدْقَ الرِّواياتِ
فالقات - أيها الإخوة - مضرّ، وقد انتشر في الصومال، واليمن، وأثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، وجيبوتي، ويوجد في بعض مناطق أفغانستان وتركستان، وقد سافرت إلى بعض الدول الأجنبية فوجدت أنهم يستوردونه من أثيوبيا أسبوعيا، ويبيعونه بأغلى الأثمان.
وللأسف أنْ قد دخل القات بلاد اليمن قديمًا على المشهور من بلاد الحبشة، وقد قرأنا للشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد القادر كتاباً، واسمه "فتوح الحبشة" ذكر أن القات دخل اليمن قبل أربعمائة سنة.
ولعل من الحكومات التي تتساهل فيه يخشى عليها أن تصاب بخيبة أمل، وهذا هو الواقع اليوم، فلا تتساهل فيه حكومة إلا ابتليت بشعبها وبفقر ومذلة وهوان، ونأمل من الحكومات التي يزرع فيها أن تمنعه، وأن تتقي الله، وأن تجعل عقوبةً على من يتعاطى أو يزرع هذا القات، فإنه ضرر على هذه الأمة، نسأل الله العفو والعافية، وبالله التوفيق.
ــــــــ
([1]) سورة البقرة: (195).
([2]) أخرجه أحمد في المسند [مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، (5/55 رقم 2865)]، وابن ماجه في السنن [كتاب الأحكام - باب مَنْ بَنَى فِى حَقِّهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ (4/27 رقم2340).] من حديث عبادة بن الصامت وابن عباس –رضي الله عنهم -.
([3]) "إصلاح المجتمع " للعلامة محمد بن سالم حسين الكدادي البيحاني، دار الفكر. الطبعة الخامسة 1391هـ - 1971م، (ص406، 407).
([4]) المرجع السابق ص (407).
([5]) سورة الأعراف: (31).
([6]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم (2/ 692 رقم996)] من حديث عبد الله بن عمرو.
([7]) أخرجه أبو داود في "سننه" [كتاب الزكاة - باب فى صلة الرحم (2/59 رقم 1694)] وأحمد في "مسنده" (11/36 رقم 6495) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -.
([8]) سورة الإسراء: (27).
([9]) وذلك بإنفاقه في المعاصي أو الإسراف فيه في المباحات.
([10]) عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه سلم - : "إن الله - عز وجل - حرم عليكم عقوقَ الأمهات، ووأدَ البنات، ومنعًا وهاتِ، وكره لكم ثلاثًا - قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس - باب ما ينهى عن إضاعة المال (2/848 رقم 2277)] ومسلم في "صحيحه" [كتاب الأقضية - باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (3/1340 رقم 593)]. وقد ثبت أيضاً عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
([11]) أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6/2658 رقم 6858)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الحج - باب فرض الحج مرة في العمر (2/975 رقم 1337)] كلاهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
([12]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الأشربة - باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام (3/1587 رقم 2003)].
([13]) الدِّنان جمع دنّ، وهي الظرف التي توضع فيها الخمر، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة: "أهرق الخمر، واكسر الدنان" كما في سنن الترمذي.